السيد محسن الأمين
122
أعيان الشيعة ( الملاحق )
تطهير الاعتقاد أيضا فان قال انما نحرت لله وذكرت اسم الله عليه فقل ان كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه هل أردت بذلك تعظيمه ان قال نعم فقل له هذا النحر لغير الله بل أشركت مع الله تعالى غيره وان لم ترد تعظيمه فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين اليه أنت تعلم يقينا انك ما أردت ذلك أصلا ولا أردت الا الأول ولا خرجت من بيتك الا قصده ( إلى أن قال ) فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب انتهى ( وصرح ) بذلك الوهابيون في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي المتقدم في الباب الثاني حيث عدوا من جملة أسباب الشرك التقرب إلى الموتى بذبح القربان . ونقول النحر والذبح ( قد يضاف لله تعالى ) فيقال ذبح لله ونحر لله ومعناه أنه نحر لوجهه تعالى امتثالا لأمره وتقربا اليه كما في الأضحية بمنى وغيرها والفداء في الإحرام والعقيقة وغير ذلك وهذا يدخل في عبادته تعالى أو نحر باسمه تعالى فذكر اسمه على المنحور وهذا لا ربط له بالعبادة انما هو شرط في حلية الذبيحة مع التفطن لقوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ( وقد يضاف إلى المخلوق ) فيقال ذبحت الدجاجة للمريض ونحرت البعير أو ذبحت الشاه للأضياف أو ذبحت كذا لفلان تريد الذي أمرك بالذبح وهذا لا محذور فيه ( وقد يضاف إلى المخلوق ) بقصد التقرب اليه كما يتقرب إلى الله طلبا للخير منه مع كونه حجرا وجمادا لا يضر ولا ينفع ولا يعقل ولا يسمع سواء كان تمثالا لنبي أو صالح أو غير ذلك ومع نهي الله تعالى عن ذلك ويذكر اسمه على المنحور والمذبوح ويعرض عن اسم الله تعالى فيجعل نظيرا لله تعالى وندا له ويطلى بدم المنحور أو المذبوح قصد التقرب اليه مع كون ذلك عبثا ولغوا نهى عنه الله تعالى كما كان يفعل المشركون مع أصنامهم وهذا قبيح منكر بل شرك وكفر سواء سمي عبادة أو لا ( وهذا ) ما توهم الوهابية ان المسلمين يفعلون مثله للأنبياء والأوصياء والصلحاء فينحرون ويذبحون لهم عند مشاهدهم أو غيرها ويقربون لهم القرابين كما كان عبدة الأصنام والأوثان يفعلون ذلك بأصنامهم وأوثانهم وهو توهم فاسد فان ما يفعله المسلمون لا يخرج عن الذبح والنحر لله تعالى لأنه يقصد اني أذبح هذا في سبيل الله لأتصدق بلحمه وجلده على الفقراء أو مطلق عباد الله وأهدي ثواب ذلك لرب المشهد والذبح الذي يقصد به هذا يكون راجحا وطاعة لله تعالى وعبادة له سواء أهدي ثواب ذلك لنبي أو ولي أو أب أو أم أو أي شخص من سائر الناس ونظيره من يقصد اني أطحن هذه الحنطة لأعجنها وأخبزها وأتصدق بخبزها على الفقراء وأهدي ثواب ذلك لأبوي فأفعاله هذه كلها طاعة وعبادة لله تعالى لا لأبويه ولا يقصد أحد من المسلمين بالذبح لنبي أو غيره ما كانت تفعله من ذكر اسمها على الذبيحة والإهلال بها لغير الله وطليها بدمها مع نهي الله تعالى لهم عن ذلك ولو ذكر أحد من المسلمين اسم نبي أو غيره على الذبيحة لكان ذلك عندهم منكرا وحرمت الذبيحة فليس الذبح لهم بل عنهم بمعنى انه عمل يهدي ثوابه إليهم كسائر أعمال الخير أو لهم باعتبار ثوابه ولذلك لا ينافيه قولهم ذبحت لفلان أو أريد ان أذبح لفلان أو عندي ذبيحة لفلان لو فرض وقوعه فالمقصود في الكل كونها له باعتبار الثواب وهذا كما يقال ذبحت للضيف أو للمريض أو لفلان الآمر بالذبح أو نحو ذلك بل لو قصد بالذبح امتثال امر الآمر به من المخلوقين وطلب رضاه واتى به على وجهه من شرائط الذبح الشرعية لم يكن بذلك آثما ولا عابدا للآمر ولا مشركا 122 مع أنه لو وقع مثل ذلك امتثالا لأمره تعالى كما في الأضحية ونحوها لكان عبادة له تعالى كما مر وكل من يأمرهم السلطان ابن سعود بالذبح أو النحر من خدمه وعبيده واتباعه حالهم كذلك مع أنهم هم الموحدون الوحيدون . ( والحاصل ) ان المسلمين لا يقصدون من الذبح للنبي أو الولي غير إهداء الثواب أما العارفون منهم فحالهم واضح في أنهم لا يقصدون غير ذلك واما الجهال فإنما يقصدون ما يقصد عرفاؤهم ولو اجمالا حتى لو فرض وقوع إضافة الذبح إلى النبي أو الولي كما مر فليس المقصود الا كون ثوابها له لا يشك في ذلك الا معاند ولو سألنا عارفا أو عاميا أيا كان هل مرادك الذبح لصاحب المشهد تقربا اليه كما كان المشركون يذبحون لأصنامهم أو مرادك إهداء الثواب له لقال معاذ الله ان اقصد غير إهداء الثواب ولو فرضنا اننا شككنا في قصده أو خفي علينا وجه فعله لما جاز لنا ان نحمله الا على الوجه الصحيح لوجوب حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة حتى يعلم الفساد ولم يجز لنا ان ننسبه إلى الشرك ونستبيح دمه وماله وعرضه بمجرد ظننا ان قصده الذبح لها كالذبح للأصنام لما عرفت في المقدمات من وجوب الحمل على الصحة مهما أمكن « 1 » ( اما ) إهداء ثواب الخيرات والعبادات إلى الأموات فأمر راجح مشروع لم يمنع منه كتاب ولا سنة بل وردت به السنة في صحاح الأخبار وقامت عليه سيرة المسلمين وعملهم في كل عصر وزمان من عهد النبي ( ص ) والصحابة إلى اليوم وهذا منه ولا أظن الوهابية يخالفون فيه ومن أولى بالهدايا من أنبياء الله وأوليائه ( روى ) مسلم في صحيحه في باب وصول ثواب الصدقة عن الميت اليه بعدة أسانيد عن عائشة ان رجلا اتى النبي ( ص ) فقال يا رسول الله ان أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها اجرا إن تصدقت عنها قال نعم ( قال ) النووي في الشرح نفسها نائب فاعل أو مفعول به اي ماتت فجاة . ثم قال وفي هذا الحديث ان الصدقة عن الميت تنفع الميت ويصله ثوابها وهو كذلك بإجماع العلماء انتهى ( وروى ) أحمد بن حنبل في مسنده عن عائشة ان رجلا قال للنبي ( ص ) ان أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت فهل لها أجر أن أتصدق عنها قال نعم ( وروى ) أحمد بن حنبل أيضا عن ابن عباس ان بكرا أخا بني ساعدة توفيت أمه وهو غائب عنها فقال يا رسول الله ان أمي توفيت وانا غائب عنها فهل ينفعها ان تصدقت بشيء عنها قال نعم فقال أشهدك ان حائط المخرف صدقة عليها ( وعن ) احمد وأبي داود والترمذي ان النبي ( ص ) ذبح بيده وقال اللهم هذا عني وعن من لم يضح من أمتي ( وعن ) سيف وأبي داود ان عليا كان يضحي عن النبي ( ص ) بكبش وكان يقول أوصاني ان اضحي عنه دائما ( وعن ) علي ان النبي ( ص ) أوصاني ان اضحي عنه ( وعن ) بريدة ان امرأة سالت النبي ( ص ) هل تصوم عن أمها
--> ( 1 ) قال الشيخ محمد عبده الشهير في كتابه الإسلام والنصرانية صفحة ( 55 ) ان من أصول الأحكام في الدين الإسلامي البعد عن التكفير وان مما اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم انه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه ويحتمل الايمان من وجه واحد حمل على الايمان ولا يجوز حمله على الكفر انتهى فما رأى الأستاذ صاحب المنار في الجمع بين هذا الكلام الصادر ممن يسميه الأستاذ الامام حكيم الإسلام وبين أقوال أسياده الوهابية الذين ينشر لهم كتب دعوتهم التي يكفرون بها المسلمين ويستحلون دماءهم وأموالهم بقولهم يا رسول الله اشفعع [ اشفع ] لي اقض حاجتي مع أنه لو احتمل الكفر من وجه واحد فهو يحتمل الايمان من مائة وجه كما تعلمه من تضاعيف هذا الكتاب .